الشيخ محمد رشيد رضا

437

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المستضعفين الذين كانوا يضطهدونهم ويعذبونهم في الدنيا كآل ياسر وصهيب الرومي وبلال الحبشي . ويقولون لهم متهكمين بخزيهم وفوز من كانوا يحتونهم : أهؤلاء الذين أقسمتم في الدنيا أن اللّه تعالى لا ينالهم برحمة لأنه لم يعطهم من الدنيا ما أعطاكم ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) أي قيل لهم من قبل الرحمن عز وجل : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون في مستقبل أمركم ، ولا أنتم تحزنون من جراء شيء ينغص عليكم حاضركم . وحذف القول للعلم به من ائن الكلام كثير في التنزيل وفي كلام العرب الخلص ، ولكنه قل في كلام المولدين ، حتى لا نراه الا في كلام بعض بلغاء المنشئين ، وقيل إن أهل الأعراف هم الذين يقولون لهؤلاء ادخلوا الجنة الخ وهو بعيد بل لا يصح مطلقا على القول بأنهم الذين استوت حسناتهم وسيآتهم إذ لا يليق بحالهم أن يخاطبوا من هم فوقهم بهذا الامر لا قبل دخول الجنة ولا بعده . وهو وإن كان يليق من الملائكة أو الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فالمتبادر الأول وهو الحكاية بتقدير القول وروي عن عكرمة . وقيل إن الامر بدخول الجنة لأصحاب الأعراف . روي عن الربيع بن أنس في تفسير الآية قال : كان رجال في النار قد أقسموا باللّه لا ينال أصحاب الأعراف من اللّه رحمة فأكذبهم اللّه فكانوا آخر أهل الجنة دخولا فيما سمعناه عن أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا ضعيف معارض بما في الصحاح في آخر أهل الجنة دخولا وتقدم آنفا . وجملة القول في أصحاب الأعراف ان ما حكاه تعالى عنهم يحتمل أن يكون ( ان صح وجود الأعراف حينئذ ) بعد المرور على الصراط وقبل دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وأن يكون بعد ذلك ، فالأول - لولا ما ينافيه مما تقدم - يرجح أنهم الأنبياء وحدهم أو مع غيرهم من الشهداء على الخلق لان وجودهم هنالك تمييز وتفضيل على جميع أهل الموقف ولا يصح هذا لغيرهم الا أن يكون للملائكة وهو ما يمنع منه التعبير برجال وان أوله أبو مسلم بكونهم في صورتهم . والثاني والثالث يرجحان انهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم بمعونة كثرة الروايات فيه ، يوقفون على الأعراف طائفة من الزمن يظهر فيها عدل اللّه تعالى بعدم مساواتهم بأصحاب الحسنات الراجحة بدخول الجنة معهم ولا بأصحاب السيئات الراجحة بدخول النار معهم ، ولو بقوا في هذه المنزلة بين المنزلتين لكان عدلا ولكن ورد أنه تعالى يعاملهم بعد هذا العدل بالفضل ويدخلهم الجنة ، ولا بد أن يكون ذلك قبل اخراج من